الصالحي الشامي
54
سبل الهدى والرشاد
وقد روينا بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنيفة عند ابن سعد ولفظه : إذا سئل فأراد أن يفعل قال : نعم ، وإن لم يرد أن يفعل سكت ، . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل : لا ، منعا للإعطاء ، ولا يلزم من ذلك أن يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى : ( لا أجد ما أحملكم عليه [ التوبة 92 ] ولا يخفى الفرق بين قوله : ( لا أجد ما أحملكم عليه ) وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري لما سأله الأشعريون الحملان فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما عندي ما أحملكم ) لكن يشكل عليه أنه صلى الله عليه وسلم حلف لا يحملهم فقال : ( والله لا أحملكم ) ، فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده ، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك ، حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة ، أو من حال السائل كأن لم يعرف العادة ، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل تمادي في السؤال ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل ، والسر في قوله : ( لا أجد ما أحملكم ) وقوله : ( والله لا أحملكم ) أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودا عنده ، والثاني أنه يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا ، أو بالاستيهاب ، إذ لا اضطرار حينئذ . الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : فخصها فلانا أفاد المحب الطبري في كتاب الأحكام له أن الرجل السائل عبد الرحمن بن عوف ، وعزاه للطبراني ، قال الحافظ : ولم أجد ذلك في معجمه الكبير ، لا في مسند سهل ، ولا في عبد الرحمن ، نعم رواه الطبراني ، وقال في آخره : قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص ، وقد يقال : تعددت القصة ، وفيه بعد . الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم : الأجود أفعل تفضيل من جاد يجود ، جودا فهو جواد ، بتخفيف الواو ، وقوم جود ، وأجاود ، وأجواد . قال النحاس : الجواد : الذي يتفضل على من يستحق ، ويعطي من لا يسأل ، ويعطي الكثير ، ولا يخاف الفقر ، من قولهم مطر جواد إذا كان كثيرا ، وفرس جواد يعدو كثيرا ، قبل أن يطلب منه ، ثم قيل : هو مرادف للسخاء ، والأصح أن السخاء أدنى منه ، ولذا يوصف الله تعالى به ، والسخي اللين عند الحاجات ، من أرض سخاوية : لينة التراب ، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى : قال القوم من أعطى البعض فهو سخي ، ومن أعطى الأدنى ، وأبقى لنفسه شيئا ، فهو جواد ، ومن قاسى الضر ، وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر ، وقال السهروردي في عوارفه : السخاء صفة غريزية ، وفي مقابله الشح . والشح من لوازم صفته النفس قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ التغابن 16 ] فحكم بالفلاح لمن وقي الشح ، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال : ( ومما رزقناهم ينفقون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) [ البقرة 5 ] والفلاح اسم لسعادة الدارين ، وليس الشح من الآدمي بعجيب لأنه جبلي فيه ، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة ، والسخاء أتم وأكمل من الجود . وفي مقابله البخل ، وفي مقابلة السخاء الشح ، والجود